تحقيقاتتقارير

الوضع الأمني .. بلاغ ضد” مجهول “

 

تقرير : أحمد جبارة

بالرغم من تشكيل الحكومة لقوة مشتركة من الأجهزة الأمنية لحسم “التفلتات الأمنية ” وفرص هيبة الدولة في العاصمة ، إلا أن الأنباء تتواتر مابين الفينة والأخرى عن جرائم القتل في العاصمة والولايات ، ففي الايام الماضية شهدت الخرطوم جرائم مروعة نتيجة لغياب الرقابة الأمنية ، حيث تم العثور على جثة طالبة جامعية في خور بالقرب من شارع الستين، وبحسب شهود عيان ، فإن الطالبة وجدت مقيدة داخل الخور ، فيما تم التعرف عليها بواسطة زملائها بجامعة الرباط .

*حادثة مشابهة

ولم تكن حادثة الطالبة في شارع الستين الوحيدة، حيث عثرت السلطات، في ذات اليوم على ضابط إداري، مقتولا جنوبي مدينة الأبيض، وذلك بعد يومين من اختطافه ،وأبلغت أسرة القتيل ، عن تعرض الضابط الإداري لعملية اختطاف من منطقة أبوزبد، وبعد ساعات من البحث عثروا على سيارته متوحلة في خور قرب منطقة جاد الله جنوب الأبيض ، فيما ظلت السلطات في حالة بحث عنه، حتى عثروا على جثته يوم الخميس الماضي في منطقة البان جديد جنوب مدينة الأبيض.

* حادثة بحري

وليس ببعيد عن حادثة الطالبة والموظف الحكومي ، فقد أوقفت الشرطة مجموعة متفلتة أثارت الرعب في شارع رئيسي بالخرطوم بحري، ما اضطر مواطنون لاطلاق النار على عناصرها التي تسلحت بالأسلحة البيضاء ، وتداول نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع مقاطع فيديو تظهر تشكيلاً عصابياً يهاجمون المارة والسيارات بغرض النهب، بينما أمكن سماع اطلاق الرصاص من احد المواطنين. وتتزايد جرائم النهب تحت تهديد السلاح في ولاية الخرطوم وسط تذمر واتهامات للسلطات الأمنية بالتراخي وعدم اتخاذ اجراءات معنية للحد من هذه التفلتات.

* اشتباك سوبا

كذلك، شهدت منطقة سوبا جنوب الخرطوم ، أحداث عنف بين قوى نظامية و مجموعات مسلحة داخل مجمع سكني ، وبحسب بيان الشرطة ، فإن مجموعة من القوات الأمنية المشتركة المكونة من القوات المسلحة وجهاز المخابرات العامة والشرطة كانت تعمل على إزالة المظاهر السالبة ودك أوكار الجريمة بمنطقة سوبا وتعرضت لقصف بالنيران من مجموعة مسلحة قبل أن تتمكن القوات المشتركة من التصدي لهم والقبض على المجموعة المتفلتة، ولم يفصح البيان الصحفي الصادر من الشرطة عن تفاصيل الاصابات والجرحى سيما وأن الأحداث شهدت تبادلاً للنيران بالرصاص الحي ، ولاحقاً كشفت الشرطة في بيان أن مجمع رهف السكني هو أحد مشاريع التأمين الإجتماعي لقوات الشرطة ، وانها استضافت مجموعات من حركات الكفاح المسلح (الجبهة الثالثة تمازج ، التحالف السوداني وحركتي تحرير السودان المجلس الانتقالي والعدل والمساواة).
وأشار البيان إلى أن الاستضافة كانت لمدة شهر مساهمة من الشرطة في دعم العملية السلمية، واضاف البيان :” إلا أنه وبعد انقضاء فترة الاستضافة ظل العديد من أفراد الحركات بالموقع رغم إفادة رئيس المفوضية القومية للسلام بعدم مسؤوليتهم عن الإقامة غير القانونية”.

*مهدد أمني كبير

الخبير العسكري ، ياسر أحمد الخزين يرجع أسباب الانفلات الأمني إلى إقدام الحكومة على حل الاجهزة الأمنية دون النظر في العواقب المترتبة على الحل ، مؤكداً أنها كانت تحافظ على أمن وسلامة المواطن، وأضاف الخزين لـ(الجريدة ): كذلك من أسباب التفلتات الأمنية دخول الحركات المسلحة إلى المدن بعتادها الحربي وتركه في أيادي منسوبيها دون كونترول ، معتبراً أنه أكبر المهددات الأمنية بالبلاد ، بجانب إنه خلل كبير لاسيما بعد تعثر عملية الترتيبات الأمنية والتي آخر عواقبها ونذر كوارثها ما حدث بمجمع رهف السكني فلولا إستخدام الحكمة وتعامل السلطات الأمنية بالحنكة لأحيل نهار العاصمة إلي ليل دامس، وتابع: السلام غاية ينشدها الجميع ولكن لا يكون عبر خرق القوانين وترويع الآمنين.

* لماذا التفلت الأمني ؟

الخبير الأمني طارق محمد عمر يقرأ مظاهر التفلتات الأمنية في الخرطوم من عدة زوايا ، إذ يرجع الامر إلى ما أسماه الأزمة الإقتصادية الخانقة وفقدان الأمل في غد مشرق ، بجانب غياب الشرطة عن الطرقات ، وتوفر السلاح ، ولم يستبعد طارق أن تكون التفلتات الأمنية سببها الحقد الطبقي في المجتمع ، بجانب بطء اجراءات التقاضي لجهة أن كثيراً من الجرائم التي تحدث لم تنصف أصحاب الضحايا ، وطالب عمر في حديثه لـ(الجريدة ) بوضع خطة متكاملة لضبط التفلتات الأمنية وذلك من خلال تنفيذ دوريات مستمرة في الأحياء والأسواق، وإعادة توزيع نقاط ومراكز الشرطة، منوهاً إلى أن الشرطة تعمل بخطط قديمة وبلا استراتيجية، وحمل الخبير الأمني السلطات الأمنية ماجرى في جرائم في الايام الماضية لجهة أن السلطات تأتي وتكثف جهودها الأمنية بعد وقوع الحادثة كما حدث لطالب الاسلامية .

* مجتمع متسامح

الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عبدالله آدم خاطر يذهب في حديثه لـ(الجريدة ) إلى أن التغيير الذي حدث في السودان له دور في الانفلات الامني لجهة إنه كان تغييراً ضخماً شمل المؤسسات الأمنية والاقتصادية، بجانب إنه شمل المجتمع وهو الامر الذي نتج عنه حالة ميوعة وإنفراط أمني قاد إلى عدم استقرار واسع في العاصمة ، وأضاف ، بالرغم من وجود سيولة أمنية إلا أن السودان يعد الحالة الوحيدة في المجتمع العربي الذي شهد أقل الاعتداءات ، وأرجع ذلك إلى أن المجتمع في السودان مجتمع متسامح وليس منظماً في عمل الجرائم ، ولم يستبعد خاطر أن يكون وراء الانفلات الامني في الخرطوم النظام السابق لجهة إنهم فقدوا السلطة ويريدون العودة من خلال حدوث فوضى وإرتكاب جرائم تجعل المواطن يكره ويشن هجوماً على حكومة الفترة الانتقالية .

فلاش باك

وكانت الحكومة شكلت قوة أمنية مشتركة للتعامل مع الانفلات الأمني في العاصمة وسائر الولايات السودانية ، حيث صدر قرار عن الفريق أول محمد حمدان دقلو موسى، النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي ورئيس اللجنة الوطنية العليا لمتابعة تنفيذ إتفاق جوبا لسلام السودان، بتشكيل قوة مشتركة لحسم التفلتات الأمنية في العاصمة والولايات ، بيد أنها لم تفلح في التصدي للمهمة ، و أكد القرار أن المهمة الأولى لهذه القوة هي فرض هيبة الدولة، فقد تم إسناد مهمة تشكيل تلك القوات للفريق الركن ياسر عبد الرحمن حسن العطا، عضو مجلس السيادة الانتقالي وعضو اللجنة الوطنية العليا لمتابعة تنفيذ اتفاق جوبا لسلام السودان ، وتضمن القرار تحديد مهام واختصاصات هذه القوة، مشددا على مباشرتها لعملها في العاصمة السودانية الخرطوم وسائر الولايات فور تشكيلها ، وعن الجهات المشاركة في هذه القوة نص القرار على أنها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، وقوات الشرطة وجهاز المخابرات العامة، وممثل النائب العام، إضافة إلى ممثلين لأطراف العملية السلمية ، وقد استند قرار تشكيل القوة المشتركة إلى قرار رئيس مجلس السيادة الانتقالي رقم (126) لسنة 2021، بتشكيل اللجنة الوطنية العليا لمتابعة تنفيذ اتفاق جوبا لسلام السودان، وكذلك إلى قرار الاجتماع الدوري رقم (4) للجنة الوطنية برئاسة النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي.

زر الذهاب إلى الأعلى